مصطفى صادق الرافعي
195
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
أحوالهم ، وما كان لهم منه ، ثم ما كان له منهم ، إلى كل ما يتصل بذلك سببا من الأسباب ، أو يداخله جهة من الجهات ، أو يتعلق به ضربا من التعلّق - لذهبنا إلى سعة من القول ، وإلى فنون مختلفة من التاريخ وفلسفته ، تحفل ببعضها الأجزاء الكثيرة والكتب المفردة ، ولكنّا سنقصر الكلام على جهة واحدة من ذلك كله ، وقد وسعنا العذر بما اعتذرنا . أما فصاحته صلّى اللّه عليه وسلم فهي من السّمت الذي لا يؤخذ فيه على حقّه ، ولا يتعلق بأسبابه متعلق ، فإن العرب وإن هذبوا الكلام وحذقوه وبالغوا في إحكامه وتجويده ، إلا أن ذلك قد كان منهم عن نظر متقدم ، وروية مقصودة ، وكان عن تكلف يستعان له بأسباب الإجادة التي تسمو إليها الفطرة اللغوية فيهم ، فيشبه أن يكون القول مصنوعا مقدّرا على أنهم مع ذلك لا يسلمون من عيوب الاستكراه والزّلل والاضطراب ، ومن حذف في موضع إطناب ، وإطناب في موضع ، ومن كلمة غيرها أليق ، ومعنى غيره أردّ ، ثم هم في باب المعاني ليس لهم إلا حكمة التجربة ، وإلا فضل ما يأخذ بعضهم عن بعض ، قل ذلك أو كثر ، والمعاني هي التي تعمر الكلام وتستتبع ألفاظه ، وبحسبها يكون ماؤه ورونقه ، وعلى مقدارها وعلى وجه تأديتها يكون مقدار الرأي فيه ووجه القطع به . بيد أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كان فصح العرب ، على أنه لا يتكلف القول ، ولا يقصد إلى تزيينه ، ولا يبغي إليه وسيلة من وسائل الصنعة ، ولا يجاوز به مقدار الإبلاغ في المعنى الذي يريده ، ثم لا يعرض له في ذلك سقط ولا استكراه ؛ ولا تستزلّه الفجاءة ، وما يبده من أغراض الكلام « 1 » عن الأسلوب الرائع ، وعن النمط الغريب والطريقة المحكمة ، بحيث لا يجد النظر إلى كلامه طريقا يتصفح منه صاعدا أو منحدرا ؛ ثم أنت لا تعرف له إلا المعاني التي هي إلهام النبوة ، ونتاج الحكمة ، وغاية العقل ، وما إلى ذلك مما يخرج به الكلام وليس فوقه مقدار إنسانيّ من البلاغة والتسديد وبراعة القصد والمجيء في كل ذلك من وراء الغاية كما سنعرف . وإن كان كلامه صلّى اللّه عليه وسلم لكما قال الجاحظ : « هو الكلام الذي قلّ عدد حروفه ، وكثر عدد معانيه ، وجل عن الصنعة ، ونزّه عن التكلف . . . استعمل المبسوط في موضع البسط ؛ والمقصور في موضع القصر ، وهجر الغريب الوحشيّ ، ورغب في الهجين السوقيّ ؛ فلم ينطق عن ميراث حكمه ، ولم يتكلم إلا بكلام قد حف بالعصمة ، وشدّ بالتأييد ، ويسّر بالتوفيق ، وهذا الكلام الذي ألقى اللّه المحبة عليه وغشاه بالقبول ، وجمع بين المهابة والحلاوة ، وبين حسن الإفهام وقلة عدد الكلام هو مع استغنائه عن إعادته وقلة حاجة السامع إلى معاودته ، لم تسقط له كلمة ، ولا زلت له قدم ، ولا بارت له
--> ( 1 ) أي يقتضيه للقول على البداهة ، وما يفجأه من أغراض الكلام البعيدة التي تحتاج إلى التقدير والروية وبعد النظر .